الشيخ محمد هادي معرفة

112

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

موسى عليه السلام ولم يدر أنّ معنى كون الإله في السماء ، أنّه متعال عن الماديات وأنّه فوق أطباق العلى لا بالجهة والحدود ، بل بالرفعة والشموخ . وهكذا الأشعري وأذنابه لم يعدُ أفهامهم فهم فرعون من أمثال هذا المقال . 6 - وقوله : « أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ » . « 1 » قيل : المراد بمن في السماء هم الملائكة الموكّلون بشؤون الأرض . لكن الصحيح أنّ المراد به هو اللّه تعالى كما في آية أخرى : « أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ » . « 2 » والمقصود بكونه في السماء كون تدابيره لشؤون الخلق تنزل من مكان عليّ هو عالم ما وراء المادة ، حسبما تقدّم . 7 - وقوله : « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » « 3 » فوقية بالغلبة والقهر لا بالجهة والحدود ، إذ الملائكة رهن أوامره تعالى وتحت إرادته « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » . « 4 » وهذا كفوقية الرئيس على المرؤوس والأمير على المأمور . 8 - وقوله : « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » ، « 5 » عروجا إلى الملأ الأعلى بعد انتهاء أمد هذه الحياة السفلى ، رجوعا إليه تعالى « إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » . « 6 » 9 و 10 و 11 - واستوى في سورتي البقرة : 29 ، وفصّلت : 11 ، جاء بمعنى عَمَد وتوجّه . وهو لا يستلزم الحركة ولا هو بمعنى الجلوس والاستقرار كما زعم الأشعري . وفي السور السبع الباقية - التي جاء فيها ذكر الاستواء على العرش - كان بمعنى الاستيلاء والتمكّن من التدبير التام لشؤون عوالم الخلق ، تعبيرا كنائيا لاغير ، وقد تقدّم ذلك . 12 و 13 - وقوله : « وَجاءَ رَبُّكَ » . « 7 » وقوله : « يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ » « 8 » فمجاز الحذف ، وقد صرّح بهذا

--> ( 1 ) - الملك 16 : 67 . ( 2 ) - النحل 45 : 16 . ( 3 ) - النحل 50 : 16 . ( 4 ) - التحريم 6 : 66 . ( 5 ) - المعارج 4 : 70 . ( 6 ) - يونس 4 : 10 . ( 7 ) - الفجر 22 : 89 . ( 8 ) - البقرة 210 : 2 .